محمد بن جرير الطبري

248

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

السبع على مسيره يوم وليله وأقرب من ذلك ، فبعثه الله عز وجل نبيا ، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسبع ، فاحتفر به بئرا واتخذ به مسجدا ، فكان ماء تلك البئر معينا طاهرا ، فكانت غنمه تردها ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذى ، فخرج منها حتى نزل بناحيه من ارض فلسطين بين الرملة وإيليا ، ببلد يقال له قط - أو قط - فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب . واتبعه أهل السبع ، حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا ، وقالوا : أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا ، فسألوه ان يرجع إليهم ، فقال : ما انا براجع إلى بلد أخرجت منه ، قالوا له : فان الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب ، فأعطاهم سبع اعنز من غنمه ، فقال : اذهبوا بها معكم ، فإنكم لو قد أوردتموها البئر ، قد ظهر الماء ، حتى يكون معينا طاهرا كما كان ، فاشربوا منها ، فلا تغترفن منها امراه حائض ، فخرجوا بالاعنز ، فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء ، فكانوا يشربون منها وهي على ذلك ، حتى أتت امراه طامث ، فاغترفت منها ، فنكص ماؤها إلى الذي هو عليه اليوم ، ثم ثبت . قال : وكان إبراهيم يضيف من نزل به ، وكان الله عز وجل قد أوسع عليه ، وبسط له في الرزق والمال والخدم ، فلما أراد الله عز وجل هلاك قوم لوط ، بعث اليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم ، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحد من العالمين ، مع تكذيبهم نبيهم ، وردهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم ، وأمرت الرسل ان ينزلوا على إبراهيم ، وان يبشروه وساره بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب ، فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشره ليله حتى شق ذلك عليه - فيما يذكرون - لا يضيفه أحد ، ولا يأتيه ، فلما رآهم سر بهم رأى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا ، فقال : لا يخدم هؤلاء القوم أحد الا انا بيدي ، فخرج إلى أهله ، فجاء كما قال الله عز وجل : « بِعِجْلٍ سَمِينٍ » قد حنذه - والحناذ : الانضاج يقول الله جل ثناؤه : « جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ » فقربه إليهم ، فأمسكوا أيديهم